أحمد بن علي القلقشندي

20

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لم يستطع أن يقدم لنا أكثر من مجرد نظم لا يمكن أن يضعه في مصاف الشعراء . ولعل حماسه للنثر واشتغاله فيه من خلال عمله في ديوان الإنشاء ، جعله يتعصّب له ويفضله على الشعر ، فهو يقول : « والنثر أرفع منه درجة ، وأعلى رتبة ، وأشرف مقاما ، وأحسن نظاما ، إذ الشعر محصور في وزن وقافية ، يحتاج الشاعر معها إلى زيادة الألفاظ ، والتقديم فيها والتأخير . . . . والكلام المنثور لا يحتاج إلى شيء من ذلك ، فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه ، ويؤيد ذلك أنك إذا اعتبرت ما نقل من معاني النثر إلى النظم وجدته قد انحطت رتبته . . . » ( 1 ) . ولعل القلقشندي في غمرة حماسه للنثر لم يلتفت إلى ما في الشعر من سحر وجمال ، فحجب ذلك عمدا في بعض المواقف ، ثم ما لبث جلال الشعر أن دفع به إلى الاعتراف به في صفحات كثيرة من كتابه ( 2 ) وفي الفصول المتعددة التي كتبها القلقشندي عن البلاغة نجده عالة على البلاغيين المتخصصين - لا سيما صاحب مواد البيان - ، ونحن لا نعتبر ذلك عيبا عند القلقشندي ذلك أنه لم يدع أنه بلاغي ، وإنما موقفه موقف المعلم الذي يرجع إلى المصادر المشروعة التي يأخذ منها مادة درسه ، ثم ينقحها ويهذبها ويحسن عرضها على تلاميذه . وهو إلى ذلك يمتلك ملكة نقدية مصقولة الحواشي صافية الذوق أعطت كتابه وجها جميلا في فن القول ووجوه نقد الكلام والتمييز بين غثه وسمينه ومألوفه ووحشيه ، كل ذلك في صبر ووفرة وقدرة تدعو إلى الانحناء أمامه تقديرا لجهوده الجبارة . ومما لا شك فيه أن صبح الأعشى - من حيث النصوص الأدبية التي احتواها - يعتبر أغنى مرجع عربي في هذا الشأن ، نظرا لوفرة عدد الرسائل والخطب التي ضمتها دفتاه .

--> ( 1 ) انظر الجزء الأول من الصبح ص : 58 من الطبعة الأميرية . ( 2 ) انظر مثلا الصبح 1 / 181 الطبعة الأميرية .